ابنك المراهق

غالبًا ما يصاحب مرحلة المراهقة تغيرات نفسية ملحوظة على سلوك الأطفال، تدفع بالآباء إلى الإحساس بأن أطفالهم يمسهم تغيير جذري لدرجة يصعب معها التعامل بحكمة ورزانة، وتتسم هذه المرحلة بإحساس المراهق بضرورة فرض نفسه وإثبات وجوده وذلك عبر رفضه المتكرر للأوامر والقرارات التي تصدر من غيره، ومن أبويه على وجه الخصوص، ويلجأ إلى إبداء تصرفات ثورية نوعا ما، وقد يذهب به الأمر إلى لوم أبويه وعتابهما على ما يأمرانه به.

ونظرًا لأهمية هذه المرحلة، ولضرورة التصرف بحكمة وعقلانية حتى لا تزيغ تصرفات طفلك عن جادة الصواب، ارتأينا أن نسوق لك في هذا المقال الأمور الأساسية التي ينبغي عليك أخذها بعين الاعتبار عند التعامل مع المراهق.

عندما يحس الطفل بمجموعة من التغيرات الجسمانية التي تعلن بلوغه، فإن ذهنه غالبًا ما ينشغل بمجموعة من التساؤلات في محاولة منه لفهم نفسه بطريقة أعمق وأكثر وضوحًا. فهو بعد اليوم ليس بذلك الطفل المدلل الذي يتكل في كل صغيرة وكبيرة على غيره من أجل القيام بها، بل إنه وضع القدم الأولى في أرض البالغين الذين يجب عليهم أن يهتموا بكل أغراضهم بأنفسهم.

وتعتبر مرحلة المراهقة بمثابة الفترة التي ينبغي للشخص أن يتخلى عن بعض صفاته الطفولية والتحلي بأوصاف الراشدين في التصرفات والمعاملات، وهو الأمر الذي لا يحدث بصورة تلقائية وحدسية، إذ أن المراهق يجد نفسه مذبذبًا بين ما عهده في طفولته وما يرى أنه يجب عليه القيام به، مما يخلق حالة من التشتت في أفكاره وهو ما ينعكس على سلوكياته.

وإزاء هذه الحالة، فإن المراهق يحس بأنه بحاجة إلى بعض الاستقلالية في القرار، كوسيلة لإثبات ذاته، وهو الأمر الذي قد يحدث بصورة عنيفة إذا ما لاقى صدودًا من جانب الوالدين السلطويين. لذا، تعاملي مع طفلك بحكمة، لا تعتقدي أنه بتصرفه هذا يلغي وجودك في حياته، بل إنه لا يزال في حاجة ماسة إلى توجيهاتك السديدة. فقط، امنحيه بعض الحرية، لا تتبعيه في كل تحركاته كأنك ظل لصيق. ولا تنظري للأمر من جانب تهويلي ومأساوي، فمن شأن هذا التصرف أن يؤثر على نفسية الطفل، بل اجعليه يحس بأن هذا الأمر عادي وتعاملي معه بطريقة تساهم في بناء شخصيته بشكل إيجابي.

هناك بعض الحالات التي سجلت مرورًا سلسًا في مرحلة المراهقة، وذلك بفضل فهم الوالدين العميق للصورة والانطباع الذي يتصوره المراهق عن نفسه. ويظل المفتاح الأساسي للعبور الآمن هو توفير جميع الظروف والوسائل التي من شأنها أن تجعل المراهق يرضى عن شخصيته ويتحلى بثقة عالية بالنفس.
 
فإذا كان المراهق غير واثق من نفسه، فإن النتيجة الحتمية هي شعوره بعدم الأمان أو بالنقص، لقصوره عن بلوغ الصورة التي يتمنى أن يكون عليها. وللتعبير عن هذا الأمر قد يلجأ المراهق إلى مجموعة من السلوكيات السلبية التي تتعدد من العنف والشجار الدائم إلى الارتماء في أحضان المخدرات والآفات.

لذا، عليك أن تحاولي أن تساعدي طفلك على اكتشاف ذاته وتحقيق ما يصبو إليه، وإذا أحسست أنه يعاني من اضطرابات نفسية ناتجة عن عدم تمكنه من أن يرتقي بنفسه إلى ما يحب أن يكون عليه، حاولي محاورته والنقاش معه، وإذا تطلب الأمر استشيري أخصائيًا نفسيًا ليساعدك على أن تفهمي الأمر بصورة واضحة لكي يتسنى لك إيجاد الحلول الملائمة التي تعين طفلك على الخروج من هذه الدوامة.

كما يقال: كسب الأشخاص في بعض الأحيان أحسن من كسب المواقف. تقبلي نقد طفلك غير الجارح بصدر رحب فهي طريقته لولوج عالم الكبار، ولا تعتبري هذا التصرف انتقاصًا منك بقدر ما هو طريقته للتعبير عن تجاوزه لمرحلة الطفولة وإيذانًا منه بدخول عالم الراشدين. قد تكون هذه طريقته لإبراز وجوده.

لكن، علمي طفلك أن نقده مقبول في دائرة الاحترام، وأن هناك خطوط حمراء لا يمكن تجاوزها، ولا تسمحي له بإهانتك أو شتمك، فعند بلوغ الطفل مرحلة المراهقة فإنه لا يستسيغ المراقبة اللصيقة والاهتمام الزائد الذي يوليه أبواه تجاهه، إذ يعد هذا السلوك لائقًا بمرحلة الطفولة التي تجاوزها. في هذه الفترة، يحتاج المراهق إلى القيام بخروجات مع أصحابه، وفي بعض الأحيان بأسفار مع أصدقائه قد تدوم بضعة أيام، بل قد يريد المبيت عند أحد خلانه ولو كان يتواجد في نفس المدينة، فلا تضيقي عليه، امنحيه بعض الحرية ودعيه يفعل ما يشاء، واعقدي معه اتفاقًا يقضي بسماحك له بالتصرف بكل حرية شريطة أن يعلمك بمكان ذهابه وأن تحصلي إن اقتضى الأمر على أرقام هواتف أصدقائه أو عائلاتهم.